الرئيسيةالرئيسية  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  
شاطر | .
 

 رؤية شرعية في الأحداث الجارية.للشيخ مختارطيباوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوعبدالمالك الجزائري



عدد الرسائل:
1

تاريخ التسجيل:
15/12/2010


مُساهمةموضوع: رؤية شرعية في الأحداث الجارية.للشيخ مختارطيباوي    الإثنين 7 مارس 2011 - 11:52

بسم الله الرحمان الرحيم


رؤية شرعية في الأحداث الجارية


جوابي للأخ أبي الأزهر السلفي ـ حفظه الله ولطف به ـ


سؤال الأخ الكريم:
شيخنا الفاضل الجليل أبا هارون مختار الطيباوي -طيب الله ذكره في العالمين- .. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أسعد الله أيامكم وأوطانكم بكل خير وبرٍّ .. شيخنا الكريم .. كم سيسر كثيرًا من الإخوة السلفيين إذا رأوا منكم كلمة توجيهة تأصيلة في القضاء الجاري في بلاد المسلمين عموما, وفي قلبها (مصر الحبيبة) خصوصا, وذلك على عادتكم في معالجة قضايا الأمة الإسلامة عامة, والطائفة السلفية على وجه التحديد, والله أرجو أن يوفقكم لتلبية المطلب على أسرع وجه وأصوبه.
دمتم في طيب عيش .. ابنكم وتلميذكم: أبو الأزهر -غفر الله له-!


الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين، وبعد...
الجواب وبالله التوفيق والسداد:
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
لا يخفاك أخي الفاضل أني مشغول ـ هذه الأيام ـ ببعض المسائل العلمية الأخرى، فلا أكاد أجد الوقت للنظر في هذه المسألة السهلة ظاهرا، الصعبة في تفاصيلها.
وفي مثل هذه القضايا والأحداث لا أحب أن أتكلم فيها دون دراستها دراسة عميقة،أما الكلام فيها من حيث العمومات فهذا أمر سهل، ولا أراه ينفع الشباب في شيء مهم.
وقد تكلم فيها كثير من الشيوخ وأجادوا وصفها واستخراج عللها وأسبابها، وحذروا عواقبها، فأظن أن كلامهم يكفي.
و إن كنت أظن أن بعض هذه المواقف العلمية تحتاج إلى تجلية أعمق، و تأصيل أبعد لبعض الجوانب الخفية، درءا للشبهات الجديدة المروج لها مؤخرا.
و إليك هذا الجواب المختصر:
فقه تغيير المنكر
العالم و الداعية عندما يتحدث في قضايا الأمة الكبرى يجب أن يتجرد من عواطفه ويضع أمانيه جانبا، ويشمر عن ساعد الجد أمام ميزان المصالح والمفاسد،ويحرص أشد الحرص على أن لا يجيب جوابا انفعاليا عاطفيا تشكل لديه من مشاهدة نشرات الأخبار التلفزيونية.
وكما لا يخفاكم فإن جميع القنوات الفضائية وغيرها لها أجندة خاصة بها، في غالب الأحيان تخدم تصورات مالكيها،وقد كثر التحريض فيها هذه الأيام.
ومسألة تشكيل الوعي و توجيه الوعي عن طريق الصورة و التعليق مسألة خطيرة، قد لا يتفطن لها كثير من الناس فيبنون تصورهم للمسألة وحكمهم عليها بناء على ما تم ضخه من أفكار في تلك الصور التي علقت بمخيلتهم وذاكرتهم.
فالعالم يزن الأمور بميزانين أحدهما أصل والآخر فرع، ميزان الشرع وهو الأصل، وميزان الواقع و الأحداث وهو الفرع، ثم يعمل فكره بالتحليل و التفكيك والنظر في العواقب والتداعيات متبعا منهجا و خطة بحث علمية أي استنباطية تعمل بالشكل التالي:
تكوين الموضوع ـ طرح الفرضية ـ تعريف نظري للمسألة ـ التعرف على العمليات العلمية التي يحتاجها ـ جمع المعلومات ـ تحليل المعلومات لاستبعاد الخارجة عن الموضوع ـ النتيجة و تعديل النظرية.
فهذا هو منهج البحث الاستنباطي يقابله البحث الأعمى، وهو الكلام بدون معايير وضوابط معروفة مسبقا، والكلام بالهوى و التمني .
و عليه، يجمع العالم أولا النصوص التي تخص هذا الباب، وهي النصوص التي تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم، ثم النصوص التي تتحدث عن سنن تغيير المجتمعات و الأمم.
وهل الأحداث الجارية مستجمعة لهذه الشروط أو لبعضها أو مخلة بها، ثم التفريق بين حالة و أخرى.
فلا شك أن الوضع و الحكم في تونس غير الوضع و الحكم في الجزائر أو السعودية أو الأردن و غير ذلك.
فبلد كتونس يمنع فيه الناس من الصلاة بشكل أم بآخر، و تمنع النساء من ارتداء الحجاب و غير ذلك، ليس كبقية البلاد حيث توجد حرية دينية واضحة وظاهرة والدين ظاهر بشعائره و أهله من علماء و عوام ،مع وجود نقائص.
أما النصوص التي تحدد علاقة الحاكم بالمحكوم فهي نصوص صحيحة صريحة في دلالتها لا يمكن تجاوزها إلا بالتفاف متعسف يتساهل فيه بعض الناس اتّباعا لأهوائهم، و تحقيقا لمآربهم المدفونة أو لخطأ في اجتهادهم.
و عليه، فالعالم يجب عليه أولا أن يقف من جميع المسلمين على مسافة واحدة، لا يدافع عن طائفة، و يقع في الآخرين، فيفقد مصداقيته، كمن نشاهدهم اليوم يحرضون الليبيين على قتال بعضهم البعض، و رفع السلاح في وجوه بعضهم البعض بصورة تندر بضياع هذا البلد، إما بحرب أهلية لا رابح فيها و الكل خاسر، أو بنظام تغريبي يصنع حاليا في دول الغرب ليحمل على ظهور الدبابات، ويفرض على الشعب الليبي فرضا، فتكون النتيجة ضياع الكثير من أجل القليل الذي لا ينادي به من يملك عقلا صحيحا.
إن العالم المتشبع بالسنة لا يمكنه تجاوز النصوص الصحيحة بجرة قلم أو كلمة طائشة في قناة فضائية، ذلك أنه حتى و إن لم يدرك الحكمة من تلك النصوص وساورته شكوك في فهمها و تعليلها فإن التسليم للنبي صلى الله عليه و سلم، و انه لا يأمرنا إلا بما ينفعنا في الدنيا و الآخرة هو الإيمان، وهو سبيل الهدى و النجاة وهو حجتنا عندما نلقى الله تعالى.
أما الاجتهاد بمذهب ابن حزم كما يفعل بعض المتسلفة على قنوات دينية، ومذهبه ضعيف مناقض لمذهب أهل السنة و الجماعة في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، يقترب إلى حد التماهي مع مذهب المعتزلة فما نفع ابن حزم ـ رحمه الله ـ ولن ينفعهم، وما يؤصلونه في ليبيا سيحتج به آخرون في بلدهم،ويذوقون من نفس الكأس.
إن العالم عندما ينظر في هذه الأحداث،من ينادي بها، ومن يقوم بها ويقودها يعرف أنها لن تقربنا من ديننا أكثر مما نحن عليه، بل ربما ستفتح على الشعوب أبواب الفتن، و الانهيار الأخلاقي، و تآكل القيم، و إن غدا لناظره قريب.
إن العالم السني يجب عليه أن يتحفظ في مواقفه و يحتاط لأنه مسئول أمام الله عن كلامه ،وحتى لو رأى أن مطالب هذه المسيرات و المظاهرات مشروعة فإنه لا يحتاج للنهي عنها ـ لأنها تقود دائما إلى الفوضى ـ إلى إنكار شرعيتها، ولكنه يطلب برفعها إلى المسئول عن طريق الوسائل المشروعة.
كما لا يحتاج للنهي عن المسيرات التي يخاف أن تنفلت إلى التغاضي و التغافل عن شرعية المطالب.
المقصود كونه يقر بشرعية المطالب لا يلزم منه مسايرة هذه الأحداث، وركوب الموجة لأنه إن لم تنجح يخسر الدين من مواقفه هذه الشيء الكثير، و يعرضه للمساءلة و المضايقة و غير ذلك، فهذا ما يوجب على العالم التحفظ و الاحتياط.
و في البلاد التي يظن بعض الناس أنها قد حققت ثورة بيضاء بدا التخويف من (التيارات الإسلامية) عن طريق تسليط الضوء عليها، وفتح مجال النقد لها،و في نفس الوقت بدأت الفتن فيها هنا وهناك،وفتح الباب على مصرعيه للاحتجاج، وأصبح التغريبيون يطالبون بمد فترة حكم الجيش و تأخير الانتخابات ،و تبدأ الحكاية من جديد!
وكما يقال سمعنا الجعجعة ولم نر الطحين، ولن يروه، أقصد بعض الفئات.
المجتمع يتكون من حاكم و محكوم، راعي ورعية، ولكل منهم حقوق، وعليه واجبات حددها الإسلام بشكل صريح وصارم، بها ينتظم حال هذا المجتمع ،ويحقق تمكنه و استقراره و ازدهاره.
ولكن بعض الناس قد ينزلون بعض النصوص على وقائع لا تنطبق عليها، فأحيانا بسبب سوء الفهم للنص أو بسبب محاولة الالتفاف عليه بالتأويل يقع في محذورات شرعية خطيرة على الشعوب و الأمم.
وهذه الأمور مثل المسيرات و المظاهرات تحكمها قواعد شرعية عامة وخاصة يجب فهمها و الاعتصام بها، و أن لا يغفل عنها المسلم المتمسك بدينه،منها:
الأولى: قوله صلى الله عليه و سلم : (( ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ إخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ ، وَمُنَاصَحَةُ وُلَاةِ الْأَمْرِ وَلُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ )) [(صحيح ابن حبان)(1/ 270 ـ67)،و الطبراني في (معجمه الكبير)( 5/ 155 ـ 4925).].
وقوله كذلك : (( إنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا : أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ، وَأَنْ تَنَاصَحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ ))[ البخاري في (الأدب المفرد)(1/ 158 ـ 442).].
فقد جمعت هذه الأحاديث كل ما يحتاجه المسلم لفهم لهذه المسائل، و التعامل معها وفق الضوابط الشرعية، وهي: إخلاص العمل لله تعالى، ومناصحة ولي الأمر، والمناصحة تقتضي عدم غشه والصدق معه ،ورفع مطالب الناس إليه، و حثه على الاستجابة لها في حدود الممكن.
ولزوم جماعة المسلمين، ويكون بعدم مفارقة جماعتهم، أو إحداث فيهم ما يفرقهم، أو يجعلهم يتقاتلون، وما في ضمنه.
فهذه الأمور الثلاثة تجمع أصول الدين وقواعده الكبرى،فتتضمن الحقوق التي لله ولعباده، وبها تنتظم مصالح الدنيا و الآخرة.
فحق الله تعالى أن نعبده وحده، لا نشرك به شيئا، وهذا معنى إخلاص العمل لله.
وحق العباد علينا نوعان: حق خاص مثل الإحسان إلى الوالدين و الزوجة والأولاد و الجيران،وفي الجيران يدخل المجتمع الذي نعيش فيه.
وحق عام يخص الناس، و الناس نوعان: رعاة حكام، ورعية محكومة،فحقوق الحكام مناصحتهم،وحقوق المحكومين لزوم جماعتهم، لأن مصلحة المجتمع لا تتم إلا باجتماع أفراده، فإن اختلفوا اختلافا يقود إلى التباغض و التدابر، أو التقاتل لم يكونوا مجتمعين.
فلزوم جماعة المسلمين، و اجتماع المجتمع على ما يشكل وحدته و مصلحته هو من الاعتصام بحبل الله جميعا.
وقد جاءت هذه المسائل الثلاث مفسرة في قوله صلى الله عليه و سلم : (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا : لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))[ أخرجه مسلم ( 1 / 52 )، وأبو عوانة ( 1 / 37 )، وأبو داود ( رقم ( 4944 )، والنسائي ( 2 / 186 )، وأحمد ( 4 / 102 ).].
لان النصيحة لله تعالى، و لكتابه ولرسوله تدخل في حق الله وعبادته وحده لا شريك له.
و النصيحة للحاكم و للمحكوم هي مناصحة الحاكم ولزوم جماعته،فإن لزوم جماعته هو النصيحة العامة.
و أما النصيحة الخاصة لكل واحد فهذه قد نتمكن من بعضها، و يتعذر علينا بعضها الآخر على سبيل الاستيعاب و التعيين.
القاعدة الثانية: يجب اجتناب كل ما يكسر حرمة الولاية والسلطنة، ويضيع مهابة الدولة، لأنه متى حصل فسدت الناس وتغيرت، وكثر الاختلاف، فحفظ حرمة الدولة ومؤسساتها حتى لا ينفلت عقدها، فإن في ذلك أعظم شرّ، تكون عاقبته دائما الحروب الأهلية، والتدخل الأجنبي.
ومعلوم كما قال عمر : ((والله ما يزع الله بسلطان أعظم مما يزع بالقرآن))[ (كنز العمال)(ح14284).]
فالناس إما تحت وازع القرآن أي الدين أو تحت وازع السلطان،ونحن نعرف أحوال أمتنا، فإن كان وازع الدين ضعيفا، و كسرنا حرمة الدولة (وازع السلطان) فحتما سيظهر فينا من الفساد ما لم يكن موجودا من قبل إلا أن يشاء الله أمرا آخر.
وعن علي رضي الله عنه أنه قال : (( لا يصلح الناس إلا أمير بر أو فاجر قالوا: يا أمير المؤمنين هذا البر فكيف بالفاجر؟ قال: إن الفاجر يؤمن الله به السبيل، ويجاهد به العدو، ويجيء به الفيء، ويقام به الحدود، ويحج به البيت، ويعبد الله فيه المسلم آمنا حتى يأتيه أجله))[ (كنز العمال)(ح14286).]
وليس من شرط مناصحة ولي الأمر، وتحذيره من معصية الله، أو تضييع أمانة الرعية هدم مؤسسات الدولة ،و كسر حرمتها،فهذا باطل محرم بنص السنة النبوية الصحيحة المستفيضة.
القاعدة الثالثة: أننا و إن كنا نفضل أن يجمع الحاكم بين صفة العدل و الدين، وكما روي:(( يَوْمٌ مِنْ إمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً )).
وفي مسند الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (( أَحَبُّ الْخَلْقِ إلَى اللَّهِ إمَامٌ عَادِلٌ وَأَبْغَضُهُمْ إلَيْهِ إمَامٌ جَائِرٌ )).
وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ : إمَامٌ عَادِلٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالْمَسْجِدِ إذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إلَيْهِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَى ذَلِكَ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ : إنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةِ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمُ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ)).
وفي صحيح مسلم مرفوعا: (( أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ : ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٍ وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ بِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ وَرَجُلٌ غَنِيٌّ عَفِيفٌ مُتَصَدِّقٌ )).
فإن الأمم لا تقوم فقط على المستحب و الأفضل ، أو تنتظر مثل هذا الإمام لتجتمع على طاعة الله ،و ما فيه خير الصالح العام،و لذلك قال ابن تيمية في (الاستقامة) (1/466) : (( ولهذا نجد الناس يفضلون من كان من الملوك ونحوهم إنما يظلم نفسه بشرب الخمر والزنا أو الفواحش ويتجنب ظلم الرعية ويتحرى العدل فيهم على من كان يتجنب الفواحش والخمر والزنا وينتصب لظلم الناس في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم)).
فهذه أحدى النقاط المفصلية المعتبرة في السياسة الشرعية ،و التي عليها الارتكاز في فقه هذا الأمر الخطير،فأفضل الحكام من يؤدي الأمانات إلى أهلها، و يعدل بين الناس،هذا ما يجب عليهم، فإن أخلوا به ،أو ببعضه لم تسقط حرمتهم، ولم يجب الخروج عليهم و مقاتلتهم، و تفريق المجتمع، و تمزيق البلاد،بل يناصحهم أهل العلم و الخبرة المناصحة الشرعية .
وإن لم تفعل ولاة الأمر ذلك أطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله، لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأديت حقوقهم إليهم كما أمر الله ورسوله { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان }.
إن ما يسمى بالعدالة الاجتماعية المفقود في بعض البلاد الإسلامية ليس سببه الحاكم فقط، بل سببه مجموع الأمة،فإن المجتمع الذي يستبيح التعامل بالرشوة ويرضى بها هو مجتمع مريض في دينه، و أخلاقه، و قيمه، فلا رشوة إلا بوجود راشي،وكما جاء في الأثر (( إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكوة)) فإذا انعدمت الأمانة عاش المجتمع عيشة غير سوية ،وقبل أن يبحث عن تحسين ظروف معيشته وهو مطلب مشروع، وعن العدل يجب عليه أن يحسن نفسه، و يعدل هو مع نفسه، فإن الحكام ليسوا إلا صورة لمجتمعهم.
المقصود أن بعض الظلم في الرعية وفي الرعاة.
الخامسة: قال الله تعالى: { وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا }
وهذا يقع من الرعاة تارة، ومن الرعية تارة، وقد أمرنا بما لا مجال للشك فيه بالصبر على جور الأئمة و ظلمهم،وهذا أصل ثابت عند أهل السنة و الجماعة، قال النبي صلى الله عليه و سلم : (( إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)).
وقال: ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه)).
وقال: ((أدوا لهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم)).
ونهى عن قتالهم ما صلوا، وذلك لأن معهم أصل الدين المقصود، وهو توحيد الله وعبادته، ومعهم حسنات، وترك لسيئات كثيرة.
فالواجب على الرعية أن تعامل الأئمة بذلك، فإن استقام الإمام أعانوه على طاعة الله تعالى، وإن زاغ وأخطأ بينوا له الصواب ودلوه عليه.
وإن تعمد ظلما منعوه منه بحسب الإمكان، فإذا كان منقادا للحق كأبي بكر فلا عذر لهم في ترك ذلك.
وإن كان لا يمكن دفع الظلم إلا بما هو أعظم فسادا منه لم يدفعوا الشر القليل بالشر الكثير. ابن تيمية.
فيجب الصبر على الظلم القليل إذا كان في دفعه ظلم وفساد كبير، كدخول الدول في دوامة العنف، و انهيار مؤسساتها، و ذهاب حرمتها، أو دخولها في حرب أهليه، أو دخولها في مصير مجهول العواقب بحيث يقوى الاختلاف بين أفرادها، وتزيد أطماع أعدائها.
فلا يكون الإنسان بمنزلة من قطع عليه بعض اللصوص الطريق مقابل إتاوة يدفعها لهم فامتنع عن ذلك حتى قتلوه، أو أخذوا كل ماله، فهذا رجل غير عاقل، لان الله تعالى بعث الأنبياء بتحصيل المصالح و تكميلها، و درء المفاسد و تقليلها بحسب الإمكان.
و حفظ الكثير مقدم على حفظ القليل.
ثم بالنسبة للمؤمن ماذا تحقق من هذه المسيرات و المظاهرات التي يشهدها العالم العربي، هل هو في صالح دين الأمة و عقيدتها، أم في صالح القوى التغريبية أي مزيد من الفجور و الانفلات الأخلاقي؟!
وهل تنهار الحضارات و الأمم في قرون، و تعود لمجدها في عشرين يوما؟!
الثامنة:
هذه المسيرات و المظاهرات لها حكم في الابتداء وحكم في الانتهاء.
من المعلوم لكل مسلم صادق قد جعل هواه تبعا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، لا يلتف على النصوص بالحيل و الشبهات أن أمتنا لم يتغيّر فيها الرعاة فقط،بل كذلك الرعية قد تغيرت مثلهم من بعض الوجوه.
وكما يوجد فيهم ظلم يوجد فيها ظلم لنفسها بمعصية الله، وعدم الاستقامة، و الغش في العمل، و التحايل على القانون، وبسبب هذا التغيير تناقضت الأمور على الأمة.
ولكن المعتبر شرعا أن كل فساد في الحاكم أو في الرعية لا يدفع بما هو أفسد منه،و قد ضبط النبي صلى الله عليه و سلم هذا الأمر فقال: (( مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ; فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ; فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ ))
و يلزم من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه و سلم أمر بتغيير المنكر، وتغيير المنكر لا يحصل إلا بإزالة صورته، ولكنه ضبطه بضوابط مهمة،منها:
أنه لا يعلم المنكر و المعروف في كل شيء، و العدل و الظلم إلا بالعلم، وليس هذا راجع إلى هوى العوام و تقديراتهم، فإنهم يجعلون من حقهم ما ليس كذلك، ويجعلون من الظلم ما هو عين العدل، فرجع الأمر إلى أهل العلم و المعرفة.
و السياسة كما في شريعتنا الإسلامية، وحتى في الديمقراطية هي أن تقود النخبة أو أهل الشورى الشعب لا أن تتبعه، نعم يلزمهم الاستماع إلى الشعب، ومشاورته فيما يخصه من حقوق، ولو ترك الأمر لعوام الناس لما وقع اتفاق على شيء.
قال الله تعالى : { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ }،وقال :{ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } ،وقال:{ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا }.
فيجب على الحكام الصبر على أذى الرعية و ظلمها، إذا لم تتم المصلحة إلا بذلك، أو كان في تركه ما يفضي إلى فساد أكثر منه.
وكذلك يجب على الشعب الصبر على جور الحكام و ظلمهم إذا كان في ترك الصبر مفسدة راجحة.
لقد تكلم العلماء في هذا العصر في أمر المسيرات، ولم أجد منهم من أباحها، وكلهم اتفق على أنها لا تأتي بخير، و أن مآلها الشر.
و المسيرات في الحقيقة هي من قبيل تغيير المنكر باللسان، هذا إن لم يستغلها أهل الفتن، و أصحاب المصالح الخاصة، و الأطماع في الحكم، و أعداء الأمة، فتخرج عن إطارها فتصير منكرا عظيما.
فلا ينسى من يجيزها أن كل مجتمع عربي يرقد على كم كبير من الأحقاد الدفينة، و الجماعات المختلفة في الفهم و التصور متى نبشناها لم نتحكم في الأمر بعد ذلك.
لكن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر باللسان على مستوى الحاكم و الدولة هو من اختصاص أهل العلم ومن في ضمنهم، لأنه مربوط بالعلم و الحكمة، فيحتاج إلى علم، ورفق، و صبر لتأديته.
و العوام يصعب تحديد مطالبهم، و يصعب ضبطهم، وهم على أهواء مختلفة، في كثير من الأحيان يطالبون بمطالب غير موضوعية لا يقدر عليها الحاكم سواء كان عادلا أو ظالما، وقد يطالبون الحاكم بما ليس فيهم من العدل و الاستقامة وغير ذلك.
وكل منهم إذا فتحت له الباب لا يرى حقا إلا أن ينال حقه الشخصي، ومتى لم يحصل عليه فلا حق في بلده، ويجب التظاهر و الاحتجاج،وهذا باب لشر عظيم.
قال ابن تيمية في (المجموع): قال ابن تيمية في ( المجموع): ((فمن ولى ولاية يقصد بها طاعة الله و إقامة ما يمكنه من دينه و مصالح المسلمين، و أقام فيها ما يمكنه من ترك المحرمات لم يؤاخذ بما يعجز عنه، فإن تولية الأبرار خير للأمة من تولية الفجار، ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان و الجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه و الدعاء للأمة، ومحبة الخير، وفعل ما يقدر عليه من الخير لم يكلف ما يعجز عنه))
ومن هذا فلا نكلف الحكام ما لا يقدرون عليه ،ولا نكلف العلماء ما لايقدرون عليه.
وكذلك لا نكلف الأمة ما لا تقدر عليه، ويجب أن يرحم بعضنا بعضا، وينصح بعضنا بعضا،و إذا أدت الكلمة الواحدة المقصود، و أصابت الغرض فلا نزيد عليها شيئا آخر.
ولا نهيج الناس، ولا نحرضهم على الحاكم، أو على بعضهم البعض، ندعو للمعروف بالمعروف، وننهي عن المنكر بالمعروف.
وحتى في البلاد التي لم يسمع أهلها لأهل العلم، وخرجوا في مسيرات متتالية نقول لهم: قد خرجتم و أسمعتم صوتكم، و أظهر ولي الأمر عندكم الاستعداد للاستجابة للمطالب الشرعية فقد تم مقصودكم فعودوا إلى دياركم ،ولا تجعلوا هذه المسيرات لأجل المسيرات،ولا تخربوا دياركم بأيديكم فتصبحوا نادمين.
وهذا الأمر تأطير الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر موجود حتى في الدول الغربية بحيث أن المطالبة بتغيير الحاكم، أو بالحصول على حقوقهم يكون وفق قنوات منظمة ومشروعة في بلادهم، وما ذلك إلا خوفا من الانفلات و الفوضى وتضرر الجميع.
المقصود أنه لا يجب أن يترك هذا الأمر المهم هملا وفوضى بدون ضوابط، لا يعني أنه لا يجوز بحال المطالبة بالحق، ولكن وفق الضوابط الشرعية، و ما يأذن به الحاكم كما كان أبو بكرـ رضي الله عنه ـ يطلب من الأمة مناصحته، وكان منقادا للحق، قابلا للمشورة.
و هذه المسيرات من وسائل التعبير المعاصرة التي جاءتنا من الغرب ، وبدون الدخول في تفاصيل منشأها، وهل يجوز للمسلم أن يأخذ بها أقول:
هذه الوسيلة تليق بمجتمعات الغرب،لأنها نابعة من ثقافتهم، وموافقة لثقافتهم،وهي جزء من نظامهم السياسي،وقلما تنتهي في بلادهم بسفك الدماء،وقد خرج الفرنسيون في الصائفة الفائتة اعتراضا على سن التقاعد لمدة شهر أو أزيد لم يقتلوا واحدا منهم، ولم تكسر زجاجة أو تقلع وردة ، الأمر المغاير في بلادنا تماما، فشعبنا على الأقل غالبيته لا يعرف استعمالها، و الحاكم عندنا لا يتعامل معها كما في الغرب، فوجب النهي عنها لأنها وسيلة منتزعة من إطارها الثقافي و السياسي، لا تؤدي عند المسلمين إلا إلى سفك الدماء و الفوضى.
هذا من حيث حكم الابتداء، ولكن عندما تنفلت الأمور و تخرج الجماهير في مسيرات ضخمة، ولم يصبح النهي عنها مجديا، فإنه حينئذ لو وجد معهم من يناههم عن الفساد و التحريق و القتل و التعدي على قوات الأمن لربما كان أسلم حينئذ، من باب استدراك الموقف، و تقليل الخسائر، و حماية البلاد من الانهيار،ومعرفة مطالبهم،لأن العلماء و النخب السياسية هي حلقة الوصل بين الرعية والراعي،ومتى فسدت هذه النخب و عطلت دورها خرجت الجماهير، وفي هذا خطر جسيم.
المقصود ضبط هذه المسألة لا الدعوة إليها، كما يجب أن نفرق بين من لا يعرف إلا أن يقول: المسيرات حرام، المسيرات حرام،من باب قد أديت ما علي كما يقوله بعض الناس، و الأمة قد هاجت وركب بعضها بعضا، وهو يتفرج عليها لا يحاول تقليل الشر،أو استدراك الوضع لأن مهمته انتهت بتلك الكليمات التي أطلقها في الهواء حيث لا يسمعه أحد، و لا يبالي به أحد،حتى إذا تغيّرت الأمور تلون بلون اليوم، أو أصبح منبوذا من أمته لأنه بكل بساطة تعتبره من أعوان الظلمة،و لأنه لا يقف من الجميع على نفس المسافة في النصح، وبينه وبين الحاكم و المحكوم فجوة كبيرة.
إن العلماء لا يغادرون الساحة ساحة أمتهم، وهم معها في كل ظروف يبذلون جهدهم حسب الحالة و المرحلة، لا غرض لهم إلا درء المفاسد و تقليلها، و تكميل المصالح و تكثيرها بحسب ما تسمح لهم به الظروف ،وهمهم الأول الدين ومكانته في الناس لا شخص الحاكم، فكل ولائهم لدين الله و لأمتهم، و ليس للحاكم فقط.
نعم لهم موقف في الابتداء معروف و ثابت بنصوص الشريعة، ولكنه ليس موقفا جامدا بل بحسب المصالح و المفاسد فإن سلم الله تعالى أدوا ما عليهم من النصح للحاكم و المحكوم ، و إن خرجت الأمور عن السيطرة كان لهم موقف آخر يقدرونه حسب المصالح و المفاسد هو السعي لضبط الأمور حتى لا تنفلت إلى ما لا يحمد عقباه، ولكن كما قال الشافعي : لا سياسة إلا ما وافق الشرع.
المهم وجودهم في وسط الأمة يكون في جميع مراحلها، فمهمتهم ودورهم لا ينتهي بكلمة حرام يطلقونها ثم ينصرفون إلى بيوتهم!
نعم لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وليس عليهم سوى النصح و الدعاء، وليس من مهامهم فعل شيء آخر، المقصود عدم التقصير في النصح.
و إذا كنا نأمر بالصبر على الحاكم الظالم، و عدم الخروج عليه، فهذا لا يعني تزكيته، و جعل سيئاته حسنات، أو أننا نحبه إذا كان ظالما أو فاجرا وغير ذلك، فهذا كذلك نهت عنه النصوص، بل قد تبرأ النبي صلى الله عليه و سلم من أصحاب هذا الموقف، قال صلى الله عليه و سلم لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ : (( أَعَاذَكَ الله يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ ، فَقَالَ : مَا إِمَارَةُ السُّفَهَاءِ ؟ قَالَ : أُمَرَاءُ يَكُونُونَ بَعْدِي ، لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ ، وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي ، فَمَنْ صَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ ، وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ ، فَأُولَئِكَ لَيْسُوا مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُمْ ، وَلاَ يَرِدُونَ عَلَى حَوْضِي ، وَمَنْ لَمْ يُصَدْقِهْمُ بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ فَأُولَئِكَ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ ، وَسَيَرِدُونَ عَلَى حَوْضِي ، يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ ، الصُّومُ جُنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ ، وَالصَّلاَةُ قُرْبَانٌ ، أَوْ قَالَ : بُرْهَانٌ ، يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ : إِنَّهُ لاَ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ ، النَّاسُ أَوْلَى بِهِ ، يَا كَعْبُ بْنَ عُجْرَةَ ، النَّاسُ غَادِيَانِ ، فَمُبْتَاعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا ، أَوْ بَائِعُهَا فَمُوبِقُهَا)) أحمد في (المسند).
وعلى من يجيز هذه المسيرات أن يجيب عن المحذورات التالية:
1 ـ خروج النساء متبرجات في هذه المسيرات حرام بالإجماع.
2 ـ الاختلاط بهن حرام قطعا.
3ـ الهتاف بالشعارات الباطلة كقولهم: مدنية مدنية حرام لأنه نداء بالعلمانية في الحكم.
4 ـ الوقوف على قبر أو مشهد لقراءة الفاتحة أو وضع الزهور حرام.
5 ـ التوسل إلى الكفار و طلب تدخلهم و الاستعانة بهم على الدولة حرام وخيانة للأمة،وقد كثر هذه الأيام كما يعلم الجميع.
6 ـ ظلم الآخرين بسد الطرق عليهم، و تعطيل مرور الناس حرام.
7 ـ الاعتداء على الممتلكات الخاصة و العامة كالمحلات و السيارات و المرافق العامة و الحافلات حرام.
8 ـ الهتاف بالسب و الشتم و اللعن و القذف حرام.
فهذه كلها حرمات تتعلق بالمسيرات فضلا عن التداعيات التي تعقب مثل هذه المسيرات،ومن ظن أنه قد تحقق بها شيء ما في مصر فهو واهم و غافل عن حقائق الأمور، ولحد الآن لا يوجد إلا التضارب في الكلام ،وكثرة الاختلاف، وزاد التيار العلماني التغريبي قوة، وهو المستفيد الوحيد من هذه الأحداث.
نعم تحققت بعض الأمور، ولكنها ليست إلا خطوات كلامية كظهور بعض قضايا الفساد، وما في ذلك.
و أما الحقوق السياسية و الاجتماعية فلا تزال تراوح مكانها، وربما قد تدخل البلاد في أشياء أخرى لا يحمد عقباها إذا لم يسرع العقلاء إلى استدراك الأمر و لملمة القضية بعدل و حكمة،فقد كثرت الاحتجاجات الفئوية، و المدارس و الجامعات متوقفة خوفا من اجتماع الناس، و الحياة الاجتماعية و الاقتصادية متوقفة ،وفي كل يوم تزداد فجوة الاختلاف اتساعا،وسيختلفون حتى يملوا من الاختلاف، وبعد ذلك يعودون إلى نقطة البداية بحثا عن الاتفاق و الأمن.
و ما نشاهده اليوم في ليبيا ينذر بمخاطر جسيمة تواجه هذه البلاد، فالمظاهرات السلمية قد تحولت إلى نزاع مسلح، و القتل صار على أي شيء، وهذا ما لا نريده لأمتنا في كل مكان.
و عندما نعتصم بالنصوص فليس لأننا لا نريد لأمتنا التقدم و الازدهار و العدالة الاجتماعية، و الحرية الشرعية، فالظلم حرام، و أكل أموال المسلمين حرام، ومنعهم نصيبهم، و التضييق عليهم فيما هو حق لهم حرام، وعدم التمكين للدين بإقامة الصلاة، و أداء الزكاة، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حرام، ولكننا نخشى العواقب الوخيمة التي تؤدي إليها هذه المسيرات و المظاهرات.
وفي الوقت نفسه نطالب النخبة السياسية والعلمية أن تقوم بواجبها اتجاه الرعية من المطالبة بحقوقها، و مناصحة الحاكم، و إرشاده، و كشف بؤر الفساد حتى يحاربها، فإنه متى رأى الناس ذلك من هذه النخب ، ومن أهل العلم و الفكر والرأي و المشورة استكانت واطمأنت.
وكما جاء في النصوص و حققه أهل العلم فساد الناس بفساد العلماء والأمراء،وفساد الأمراء بفساد العلماء، لأن ولاية العلم أعلى من ولاية الحكم ، فمن يستمد ولايته من الرسول صلى الله عليه و سلم كما هو حال العلماء أعلى ممن يستمد ولايته من أهل العلم أو من الشعب.
والحاكم ليس هو مبعوث العناية الإلهية فيقدس لقداستها،إنما الطاعة في المعروف والدين فوقه، والحق فوقه ، ومصلحة الوطن فوقه، بل عليه واجبات يطالبه بها أهل الشوكة على اختلاف أصنافهم من قيادات البلد، و كبراء البلد، و أهل العلم ممن يحققون هذه المصلحة بدون مفسدة كبرى ،وله حقوق يجب تأديتها له بالمعروف رغم أنوفنا طاعة لله تعالى و رسوله صلى الله عليه و سلم.
و الذي لاحظته على بعض المنسوبين للعلم و الفكر أنهم قد أخطئوا خطأ جسيما في علمهم و عملهم عندما ظنوا أن سنن التغيير التي تجري على الأمم الكافرة هي نفسها التي تجري على المسلمين، ولم ينتبهوا إلى تلك النصوص الجواهر الصحيحة التي تحدث فيها النبي صلى الله عليه و سلم عن سنن التغيير عند المسلمين، و أنهم لا يتقدمون بالغني، و المتاع الحسن، و الديمقراطية، و ما تنادي به التيارات العلمانية التغريبية، و أننا متى صرنا دولا ديمقراطية حقيقية ازدهر اقتصادنا، وصرنا دولا متقدمة و مزدهرة فهذا خطأ، و التاريخ المعاصر خير دليل عليه،فبعض الدول العربية قد بدأت نهضتها العلمية قبل كثير من الدول المتقدمة كاليابان، وكوريا و البرازيل، و تملك من المقدرات المالية أكثر منها،ويوجد فيها الحرية التي يطالب بها التغريبيون ومع ذلك لم تتقدم عليها.
نعم، الشورى،و الاستماع إلى الناس، و تفتيش أحوالهم كما كان يفعل الخلفاء المهديون، واحترام حرمة المسلم المواطن، و أنه في ذمة الله، و أداء حقه إليه له تأثير وأهمية كبيران، و يجب السعي إليه بالطرق الشرعية، فلا صلاح للأوطان إلا به، ولكن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ((فَوَاللهِ لاَ الْفَقْرَ أَخْشى عَلَيْكُمْ، وَلكِنْ أَخْشى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ)) البخاري.
وقال: ((إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَإِنَّ رَبِّي قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَلَوْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا أَوْ قَالَ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا)). الترمذي وغيره.
وقال: ((يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير، ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ، ولَيَنْزِعَنَّ الله مِنْ صدور عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ، قيل : وما الوْهنُ يا رسول الله ؟ قال : حُبُّ الدُّنيا، وكراهيَةُ الموتِ)) أبو داود.
و قال: ((إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لاَ يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)).
إن الدول تقام على العدل و أداء الأمانات، وتمكن في الأرض بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر،أي لا مستقبل لهذه الأمة إلا بالتمسك بدينها، و إقامة العدل من الدين، و إلا فالذل و الهوان والهرج.
إن في منهج أهل السنة و الجماعة رحمة بالأمة، و ليس موالاة للظلمة أو الفاسدين فهو منهج ينظر للمسائل بعمق، و يحسب المخاطر جيدا، و يعرف أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ،و التغييرات الحاصلة حاليا كلها سطحية وظرفية،و الفتنة إذا أقبلت شبهت، و إذا أدبرت نبهت.
كما أن الدول ليست في نفس المستوى من الفساد، فما حصل في تونس كان يجب أن يحصل بحكم الوضع السيئ للغاية الذي خرج عن حد الظلم و الجور إلى ما هو أسوأ بكثير، و لكن هذا لا ينطبق على بقية البلاد الإسلامية،فحذار من نقل هذه الأمور إلى بقية الدول، فإنه ستتدخل قوى ظاهرة و خفية تمسك أوراق التدبير لا قبل للمواطن العادي بها، و ستنفلت الأمور ونقول بعدها:
كأني بكم و الليت أفضل قولكم*** يا ليتنا كنا إذا الليت لا يغني
و الذي أقوله نهاية قبل أي تحليل و بعد أي تحليل فإن الاعتصام بالنصوص الصحيحة هو الحل للمسلمين، ولكن بدون إضاعة سائر الواجبات لأنه حينئذ لا يجدي ،و إذا لم نغير ما بأنفسنا فسيتبدل الرجال فقط، يذهب هذا بزيه العسكري، ويأتي هذا بزيه المدني، وقد يكون أخطر من الأول و أفسد، و الله المستعان.
عن رافع الطائي قال: (( صحبت أبا بكر في غزوة فلما قفلنا قلت: يا أبا بكر أوصني قال: أقم الصلاة المكتوبة لوقتها وأد زكاة مالك طيبة بها نفسك، وصم رمضان، واحجج البيت، واعلم أن الهجرة في الإسلام حسن وأن الجهاد في الهجرة حسن ولا تكن أميرا، ثم قال: هذه الإمارة التي ترى اليوم سيرة قد أوشكت أن تفشو وتكثر حتى ينالها من ليس لها بأهل، وانه من يكن أميرا فإنه من أطول الناس حسابا وأغلظه عذابا، ومن لا يكون أميرا فإنه من أيسر الناس حسابا وأهونه عذابا لأن الأمراء أقرب الناس من ظلم المؤمنين، ومن يظلم المؤمنين فإنما يخفر الله ،هم جيران الله، وهم عباد الله، والله إن أحدكم لتصاب شاة جاره أو بعير جاره فيبيت وارم العضل يقول: شاة جاري أو بعير جاري فإن الله أحق أن يغضب لجيرانه)) الزهد لابن مبارك "235 - 236"
وفي الأخير أقول: أول ما يسأل عنه الناس يوم القيامة الصلاة،و أول ما يقضى فيه الدماء، وسيسألنا الله تعالى عن كل قطرة دم أريقت من أفتى بها؟
ومن دفع إليها؟
ومن شرع له ذلك؟
وما دليله وبرهانه؟
وماذا فعل بما أخبره به نبيه صلى الله عليه و سلم ونهاه عنه؟
ولمَ لم يطيعه، وقد أخبره أنه سيكون أمراء لا يهتدون بهديه، ولا يستنون بسنته،ولم يأمره بمقاتلتهم؟
ولم دفع الشعوب بعد الاختفاء وراءها لجبنه [لأن العلماء الحقيقيون كابن تيمية و النووي و العز وقبلهم الإمام أحمد كانوا يؤدون ما عليهم من نصح الحكم ويصدعون بنصحه في وجهه دون أن يهيجوا العوام،ويختفون وراءهم ،بخلاف علماء هذا الزمن قتلهم الجبن فدفعوا الشعوب] لمقاتلته، وسفك دماء بعضهم البعض؟
وفي مثل هذه الأمور ترك التأويل و الاعتصام بالنصوص خير من تأويلها تأويلا محتملا، قد يكون صوابا، وقد يكون خطئا.
ومن تمسك بالنص فقد اعتصم بحبل الله، ومن تمسك بالتأويل فقد اعتصم بعقله وشتان ما بين الأمرين، ما بين العصمة و الخطأ.
و أما من يقول منهم: من مات من الناس، فقد مات لأجله!
فنقول له: الله تعالى يقبض أرواح الناس كيف شاء،ومتى شاء، وكونهم يموتون لآجالهم لم يخولك الدفع بهم إلى ما فيه حتفهم.
نسأل الله تعالى أن يجعل ما قضاه لهذه الأمة في هذه الأحداث خيرا لها يقودها إلى العمل بكتابه و سنة نبيه صلى الله عليه و سلم في كل شيء،و أن يلهمنا حكاما ومحكومين رشدنا،و أن يأخذ بنواصينا للحق والعدل مع النفس ومع الغير ،و الله أعلم، وقوله أحكم:{ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (*) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}،فنقول لكل راعي من حاكم إلى مسؤول، إلى والد في بيته أد الأمانة إلى أهلها،واحكم بين من جعلهم الله في رعايتك بالعدل.
ونقول لأمتنا: أطيعوا الله و أطيعوا الرسول، و أطيعوا أولي الأمر منكم في المعروف،فإن تنازعتم معهم فردوا الأمر إلى الله والرسول،وقد أمرنا الله ورسوله بوحدة الصف،و أداء الحقوق، و الصبر على ما نكره ،ونهانا عن التقاتل و التدابر،كل بحسب موقعه في الأمة مع اختلاف واجبات العلماء و أهل الشوكة عن واجبات العوام،فإن أهل الشوكة هم من لا يصير الرجل إماما إلا بموافقتهم، الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة،لأن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة و السلطان.
وكما قال صلى الله عليه و سلم : ((عليكم بالجماعة فإن يد الله مع الجماعة)).
وقال: ((عليكم بالسواد الأعظم، ومن شذ شذ في النار)).
ولقد تتبعت كلام كل علماء السنة المعاصرين في المسيرات فلم أجد واحدا منهم أباحها ،وكلهم اعتبرها بابا للشر.
و معلوم أن مثل هذه المسائل القول فيها قول كبار الأئمة لأنها تحتاج إلى علم وحكمة ،وإلى البصيرة التي يفتقدها كثير من الدعاة.
و العجب ممن يكثر من الحديث عن العلمانية، وفي نفس الوقت يدخل الأساليب التغريبية المعارضة للثقافة الشرقية و أصول الأمة الإسلامية.
وعليه، أنصح شبابنا باجتناب هذه الفتن و التصدي لها ببث العلم الشرعي الصحيح المؤصل بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وكلام أئمة السنة.
أرزيو/ الجزائر، في 12 ربيع الأول 1432هـ
أخوك مختار الأخضر طيباوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 

رؤية شرعية في الأحداث الجارية.للشيخ مختارطيباوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منــــتديات تبسة الإســـــلامية ::  :: -